اسماعيل بن محمد القونوي
306
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
تكذيبه ) آتوا بالواو الخ يعني أن كل واحد منهما كاف في نفي الرسالة فكيف إذا اجتمعا وأما في قصة ثمود فإنهم تركوها للتأكيد أو الاستئناف والنكتة مبنية على الإرادة ويفهم من كلامهم أيضا أن كل واحد منهما كاف في نفي الرسالة بحسب المعنى ولهذا ختم الكلام في هذه القصة بقولهم وَإِنْ نَظُنُّكَ « 1 » لَمِنَ الْكاذِبِينَ تأكيدا لقولهم المذكور وأما هناك فقد ختم الكلام بقول : فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ لأنهم لما قرروا أنه بشر مثلهم لا ينبغي أن نؤمن برسالتك إلا بشيء تمتاز به عنا وهو إتيان آية لا نقدر عليها ولو كان الأمر بالعكس أو اعتبر في قصة شعيب ما في قصة صالح أيضا أو عكسه لكان له وجه في دعواك . قوله تعالى : [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 187 ] فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 187 ) قوله : ( فَأَسْقِطْ عَلَيْنا ) الفاء للدلالة على سببية ظنهم كاذبا هذا القول ومرادهم به التهكم وإظهار اليقين والجزم التام على كذبه عليه السّلام وإليه أشار المص بقوله ولعله جواب لما أشعر به الخ أي جواب على سبيل الجزم التام عن التهديد المذكور بأنه لا احتمال لوقوعه لأن دعواك ليس بصادق . قوله : ( قطعة منها ولعله جواب لما أشعر به الأمر بالتقوى من التهديد وقرأ حفص بفتح السين ) بفتح السين فيكون جمعا والمعنى أي قطعا وقيل الكسف بالسكون يجوز أن يكون مفردا أو جمعا كما قاله الزمخشري فالأولى تفسيره بالجمع ليوافق القراءتان ولعل إلى معنيين كل واحد منهما مستقل في منع الرسالة على زعمهم وفي ترك العطف إلى معنى واحد وهو كونه مسحرا ثم قرر بكونه بشرا مثلهم قال الطيبي فإن قلت هذا بيان خاصية التركيب فما بيان الأبلغية واختصاص الواو بموضع دون موضع قلت التركيب بدون الواو في قصة ثمود يفيد التوكيد والتقرير والقطع بأنه بشر مثلهم أي لا ينبغي أن نؤمن برسالتك إلا بشيء تمتاز به عنا ولهذا قالوا : فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [ الشعراء : 154 ] وأما قوم شعيب فإنهم اثبتوا له شيئين كونه مسحرا وكونه بشرا مثلهم كل واحد منهما مستقل في المنع من كونه رسولا يعنون نحن وأنتم في عدم صلوحية الرسالة من جهة كوننا بشرا سواء ولك المزيد علينا في كونك مسحرا دوننا ثم أكدوا ذلك بقولهم وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ والظن بمعنى اليقين ولذلك ادخل أن واللام ولما كان هذا الرد أبلغ من الأول ما طلبوا البرهان هنا كما طلب ثمود حيث قالوا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ بل قطعوا بما يدل على اليأس من إيمانهم بقولهم فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ على سبيل الاستهزاء كما قطع قريش بقولهم إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ . قوله : ولعله جواب لما أشعر به الأمر بالتقوى من التهديد فإن قوله : وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ [ الشعراء : 184 ] متضمن معنى التهديد والتحذير فكأنه قال واحذروا الذي خلقكم فقالوا في جوابه على سبيل الاستهزاء فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ . قوله : وقرأ حفص بفتح السين وفي الكشاف قرىء كسفا بالسكون والحركة وكلاهما جمع
--> ( 1 ) قيل الظن بمعنى اليقين .